الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

148

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فالحصر في قوله إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ قصر الموصوف على الصفة وهو إضافي للقلب ، أي ما أنا إلّا بشر لا أتجاوز البشرية إلى العلم بالمغيّبات . وأدمج في هذا أهم ما يوحي إليه وما بعث لأجله وهو توحيد اللّه والسعي لما فيه السلامة عند لقاء اللّه تعالى . وهذا من ردّ العجز على الصدر من قوله في أوّل السورة لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ إلى قوله إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [ الكهف : 2 - 5 ] . وجملة يُوحى إِلَيَّ مستأنفة ، أو صفة ثانية ل بَشَرٌ . و إِنَّما مفتوحة الهمزة أخت ( إنما ) المكسورة الهمزة وهي مركبة من ( أنّ ) المفتوحة الهمزة و ( ما ) الكافة كما ركبت ( إنما ) المكسورة الهمزة فتفيد ما تفيده ( أنّ ) المفتوحة من المصدرية ، وما تفيده ( إنما ) من الحصر ، والحصر المستفاد منها هنا قصر إضافي للقلب . والمعنى : يوحي اللّه إليّ توحيد الإله وانحصار وصفه في صفة الوحدانية دون المشاركة . وتفريع فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ هو من جملة الموحى به إليه ، أي يوحى إليّ بوحدانية الإله وبإثبات البعث وبالأعمال الصالحة . فجاء النظم بطريقة بديعة في إفادة الأصول الثلاثة ، إذ جعل التوحيد أصلا لها وفرع عليه الأصلان الآخران ، وأكد الإخبار بالوحدانية بالنّهي عن الإشراك بعبادة اللّه تعالى ، وحصل مع ذلك ردّ العجز على الصدر وهو أسلوب بديع .